ابن قيم الجوزية

5

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

[ مقدمة ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ( وبه الإعانة ) ( الحمد للّه ) الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نزلا * ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها فلم يتخذوا سواها شغلا * وسهل لهم طرقها فسلكوا السبيل الموصلة إليها ذللا * خلقها لهم قبل أن يخلقهم ، وأسكنهم إياها قبل أن يوجدهم وحفها بالمكاره ، وأخرجهم إلى دار الامتحان ليبلوهم أيهم أحسن عملا * وجعل ميعاد دخولها يوم القدوم عليه وضرب مدة الحياة الفانية دونه أجلا ، وأودعها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وجلالها لهم حتى عاينوها بعين البصيرة التي هي أنفذ من رؤية البصر ، وبشرهم بما أعد لهم فيها على لسان رسوله فهي خير البشر ، على لسان خير البشر ، وكمل لهم البشرى بكونهم خالدين فيها لا يبغون عنها حولا . ( والحمد للّه ) فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا ، وباعث الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل ، إذ لم يخلقهم عبثا ، ولم يتركهم سدى ، ولم يغفلهم هملا ، بل خلقهم لامر عظيم ، وهيأهم لخطب جسيم ، وعمر لهم دارين فهذه لمن أجاب الداعي ولم يبلغ سوى ربه الكريم بدلا ، وهذه لمن لم يجب دعوته ولم يرفع بها رأسا ولم يعلق بها أملا . ( الحمد للّه ) الذي رضي من عباده باليسير من العمل ، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل ، وأفاض عليهم النعمة ، وكتب على نفسه الرحمة ، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه ، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلا ، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلا . ( فهذا ) عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم ، وذلك فضله يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم ( وأشهد ) أن